محمد جمال الدين القاسمي

289

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أشير إليه هناك ، كأنه قيل : ألم أقل لكم إني أعلم فيه من دواعي الخلافة ما لا تعلمونه فيه ، هو هذا الذي عاينتموه . وفي الآية تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى ، وهو أن يتوقفوا مترصدين لأن يبين لهم وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ عطف على جملة أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لا على أَعْلَمُ ، إذ هو غير داخل تحت القول . أي ما تظهرونه بألسنتكم ، وما كنتم تخفون في أنفسكم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 34 ] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 34 ) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ لما أنبأهم بأسماء ، وعلمهم ما لا يعلموا ، أمرهم بالسجود له ، على وجه التحية والتكرمة تعظيما له ، واعترافا بفضله ، واعتذارا عما قالوا فيه . وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم عليه السلام فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أي امتنع عن السجود « وَاسْتَكْبَرَ أي تكبر وقال : أنا خير منه ، فالسين للمبالغة وَكانَ في سابق علم الله أو صار مِنَ الْكافِرِينَ . تنبيهات : الأول : للناس في هذا السجود أقوال : أحدها أنه تكريم لآدم ، وطاعة لله ، ولم يكن عبادة لآدم . وقيل : السجود لله ، وآدم قبلة ، أو السجود لآدم تحية ، أو السجود لآدم عبادة بأمر الله ، وفرضه عليهم . ذكر ابن الأنباريّ عن الفرّاء وجماعة من الأئمة ، أن سجود الملائكة لآدم ، كان تحية ، ولم يكن عبادة . وكان سجود تعظيم وتسليم وتحية ، لا سجود صلاة وعبادة . قال شيخ الإسلام ابن تيمية : قال أهل العلم : السجود كان لآدم بأمر الله وفرضه . وعلى هذا إجماع كل من يسمع قوله . فإن الله تعالى قال اسْجُدُوا لِآدَمَ ولم يقل : إلى آدم . وكل حرف له معنى . وفرق بين « سجدت له » وبين « سجدت إليه » قال تعالى : لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ [ فصلت : 37 ] وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الرعد : 15 ] أجمع المسلمون على أن السجود للأحجار والأشجار والدواب محرّم . وأما الكعبة ، فيقال : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يصلي إلى بيت المقدس ، ثم صلى إلى الكعبة ، ولا يقال صلى لبيت المقدس ، ولا للكعبة . والصواب أن الخضوع بالقلوب ، والاعتراف بالعبودية ، لا يصلى على الإطلاق إلّا للّه سبحانه . وأما السجود فشريعة من الشرائع يتبع الأمر . فلو أمرنا سبحانه أن نسجد لأحد من خلقه ، لسجدنا طاعة واتباعا لأمره . فسجود الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة وقربة يتقربون بها إليه . وهو لآدم تشريف